23- في المفاعيل العجيبة الناجمةِ عن هذا التكريم الحُبّي

827

في المفاعيل العجيبة الناجمةِ عن هذا التكريم الحُبّي

1- معرفةُ الذات واحتقارُها

ستعرفُ بالنور الذي يهبُكَ إياه الروحُ الالهيُ بشفاعة الأم الحبيبة مريم، عمقَكَ الرديءَ وفسادَك وعدَم مقدرِتك على الخير. وكنتيجة لذلك، ستحتقرُ ذاتَك ولا تفتكرُ في نفسك الا كبشاعة. ستنظر الى ذاتك مثلَ الحلزونة التي تُفسد كلَّ شيءٍ بلُعابها، او كحيةٍ خبيثةٍ مراوغة. إن مريمَ المتواضعةَ ستُشاركُك بتواضعها العميق الذي يجعلُك أن تحتقرَ ذاتَك ولن تزدري أحداً بل تُحبَ الهوان.

2- الاشتراكُ بإيمانِ مريمَ

تُشركُك العذراءُ الطوباويةُ بإيمانها الذي كان لها على الارض، والذي كان اعظمَ من ايمان كل الاباء والانبياء الرسل، وكل القديسين معاً. حالياً وهي من المالكين في السماء قد انتهي عندها دورُ الايمان، لانها ترى بوضوح كل شيء في الله، بواسطة نور المجد. إلا انها لا تنسى أبناءها المحبين الذين يلتجئون اليها، فتطلبُ لهم ايماناً راسخاً وخالصاً في حياتهم الارضية، كيلا يتعلقوا بالامور الحسية، بل ان يكونَ لهم ايمانٌ حارٌ وحيٌّ بالمحبة، يجعلُهم ان يعملوا كل شيء عن محبة كاملة، فيثبتون كالطَودِ وسط الزوابع والمصائب، إيماناً فعّالاً كمفتاحٍ سري يفتحُ امامهم كل الابوابِ لفهم أسرار يسوع وغاية الانسان الاخيرة، وحتى قلب الله، ايماناً شجاعاً يحث على القيام بأعمال كبيرة لمجد الله وخلاص النفوس، إيماناً يشبه مصباحاً مضيئاً لمعرفة الحياة الالهية وكنوز الحكمة المخفية، تنيرُ به ظلالَ وظلماتِ الموتِ لاضرام الفاترين وإحراقِهم بذهبِ المحبة الخالصة، فيَهِبوا الحياة الروحيةَ للمائتين في الخطيئة، ويلمَسوا بكلماتِ اللطفِ القلوبَ الباردةَ وقاوموا الشيطان وكل أعداء الخلاص.

3- يمنحُ نعمةَ المحبة المحضة

إنَّ الأم المحبة الجميلة (سيراخ 24:24) ستنزع عن قلبك كلَّ وسواس وكل خوف عبدي، وستفتحه وتوسعه لتركض في وصايا ابنها (مز 118: 32) بحرية أبناء الله المقدسة، ولتُدخِل فيه المحبة المحضة التي بيدها وهي كنوزها، بنوع أنه لا تسير بعد كما فعلت حتى الآن، خوفاً من الله المحبة، ولكل لأجل المحبة الخالصة، فستنظر إليه كما إلى أبيك الصالح، لتعمل كل ما يُرضيه دائماً، وتتحدث معه بثقة، كما يتحدث الابن مع والده الفاضل، وإذا ما لِتَعس حظك اهنته، فإنك ستخجل حالاً من ذاتك أمامه، وتطلب منه بتواضع، المغفرة ، وتبسط نحوه اليد ببساطة وتنهض بمحبة دون سجس ولا قلق، وتُكمل نحوه بلا قنوط.

4- يعطي ثقةً عظيمةً بالله ومريم

ستملأُك العذراء القديسة بثقة عظيمة نحو الله ونحوها. لأنك لن تقترب بعد من يسوع المسيح بنفسك، ولكن دائماً بواسطة هذه الأم الفاضلة. وبما أنك قد أعطيت لها كل استحقاقاتك ونعمك وتعويضاتك، لكي تتصرف بها حسب إرادتها، ستُشركُكَ بفضائلها وتُلبسُك استحقاقاتها بنوع أنك تقدر أن تقول لله بثقة: هوذا مريمُ أمتُك، ليكن لي كقولك (لوقا 1: 38)، ثم بما أنك قد خصصت لها ذاتك بجملتها من نفس وجسد، فهي السخية مع الأسخياء، وأسخى الجميع. ستهب ذاتها لك بالمقابل بنوع عجيب وحقيقي، حتى أنك تقدر أن تقول لها بجسارة: «خلصيني، إنني خاصتُك» (مز 118: 94) او مع التلميذ الحبيب: «آخُذُكِ إلى خاصتي»، او أن تقول أيضاً مع القديس بونافنتورا: “ها هي سيدتي المخلصة لي، أعملُ بثقة، ولن أخاف لأنكِ أنتِ قوتي ومجدي في الرب»، وفي موضع آخر جاء:  «إني خاصتُك بجملتي، وكل شيء لي هو لكِ، أيتها العذراء المجيدة والمباركة في الجميع، أضعُكِ مثل خاتمٍ فوق قلبي لأنَّ محبَتك قويةٌ كالموت».

وبشعائر النبي يمكنك أن تقول لله: «لم يتكبر قلبي يا رب ولم ترتفع عيوني، ولم أسر متكبراً ولا أفتش عن أمور عظيمة عجيبة، ومع ذلك لستُ متواضعاً بعد، الا أني رفعت نفسي وشجعتها بالثقة فأنا كطفلٍ مفطومٍ من ملذات العالم، مستند إلى صدر أمي، وهنا أفيضُ بالخيرات» (مز 130: 1-2)، هذا وإن ما يزيدك ثقة فيها، هو انك قد أعطيت لها كل ما لك من الصلاح لتوزعه وتحفظه، فستكون لك ثقة أقل في ذاتك واكثر بكثير فيها، لأنها كنزُك. يا لثقة وتعزية تلك النفس التي تقدر أن تقول بأن كنز الله الذي وُضع فيه كل ما هو ثمين، هو أيضاً كنزُه.

5- الاشتراكُ بنفسِ وروحِ مريم

إن نفسَ مريمَ ستشتركُ معكَ لتمجيدِ الرب، وروحَها سيأخُذُ مكان روحِك لكي تفرح بالله مخلصها، شرط أن تكون أميناً في ممارسة هذا التكريم. «لتكن نفسُ مريمَ في كلِ واحدٍ لتُعظمَ الربَ، ليكن روحُ مريمَ في كلِ واحدٍ ليفرحَ بالله» (القديس أمبروسيوس).

متى يكونُ الزمنُ السعيدُ الذي فيه تُثبَت الأمُ المباركةُ سيدةً وملكةً على القلوب، لتُخضِعَها بجملتها لسيرةِ ابنِها العظيمِ الوحيدِ يسوع؟ عندها ستستنشقُ النفوسُ مريَم قدرَ ما تستنشقُ الأجسامُ الهواءَ. حينئذٍ ستحدث أمورٌ عجيبةٌ في هذه المواضع المتواضعة حيثُ الروحُ القدسُ يجدُ أمتَهُ الحبيبةَ مصورةً في النفوس، عندئذ هو أيضاً سيأتي بفيضٍ ويملأُها من مواهبِه، خاصةً موهبةِ الحكمةِ، لتفعلَ عجائبَ النِعَم.

عندما سيأتي هذا اليومُ السعيد، الذي سيكون عصر مريم، حيث نفوسٌ كثيرة ممتازةٌ طلبتها مريم من العلي، تَفقُدُ ذاتها في عمقِ باطنِها، لتصبحَ صُوراً حية لمريم، لتُحب ولتمجد يسوع المسيح، ولكن لن يأتي هذا إلا عندما سيُعرَفُ ويمارَسُ هذا الاكرامُ. ليأتِ ملكوتُك ومُلكُ مريم.

6- تحويلُ النفوس في مريم على غِرار يسوع

إذا تحرثُ جيداً مريم التي هي شجرةُ الحياة في نفوسِنا بأمانة، بواسطة هذا التكريم، فإنها ستحمِلُ ثمرَها في حينهِ، وما ثمرُها هذا إلا يسوع المسيح. أرى كثيرين من الوَرِعين الذين يفتشون على يسوع، البعض في هذا الطريق وهذا الاكرام، والآخرين في غيرها. ومراراً بعد أن يكونوا قد اشتغلوا كثيراً، كما قال الرسل: «اشتغلنا طيلة الليل ولم نصطد شيئاً» (لوقا 5:5)، فيُمكن القول لهم: «اشتغلتم كثيراً وربحتم قيلاً» (حجاي 1: 6) لأن يسوع لا زال بعد ضعيفاً عندكم. غير أنه في اسلوب مريم المحبول بها بلا دنس، وهذا النوع من التكريم، يشتغل المرء في النهار، وفي محلٍ مقدس، وقليلاً، فلا ليل في مريم أبداً، لأن لم يكن فيها قط أية خطيئةٍ ولا ظلٍ. إنها مكان مقدس، وقدسُ الأقداس، حيثُ يُصاغ القديسون في القالب.

لاحظوا قولي بأن القديسين يُصاغون كما في قالب، في مريم، فهناك فرقٌ كبيرٌ بين عمل ِصورةٍ بارزةٍ بالمطرقة والازميل، وإخراج صورةٍ بالقائها في القالب.

إنَّ النحاتين فناني التماثيل، يشتغلون كثيراً لعمل صورة في الاسلوب الأول، ويحتاجون إلى وقت كثير. بينما في الطريقة الأخرى، يشتغلون أقل جداً. ويُسمي القديس اوغسطينوس، مريم العذراء، قالبَ الله، فيكتبُ: «إذاً ادعوكِ قالبَ الله، فانك تستحقين ذلك»، إنها القالبُ الخاصُ لصياغة وعملِ آلهة. من يُلقى في هذا القالب، يُصاغُ سريعاً ويُصوّرُ في يسوع المسيح. ويسوع فيه، بنفقاتٍ زهيدةٍ وزمنٍ قليل يصبح «إلهاً» لانه أُلقي في عين القالب الذي صاغ إلهاً. إنني أستطيع أن أُشبّه أولئك المرشدين والأشخاص الاتقياء الذين يريدون صياغة يسوع في ذواتهم وفي الآخرين بواسطة ممارسات غير هذه، بنحاتين يضعون ثقتهم في فنهم ومعرفتهم ومهارتهم، فيضربون ضرباتٍ لا تُحصى من المطارق والازميل لحجرةٍ صلبةٍ أو لقطعةِ خشبٍ غير نظيفة، ليصنعوا منها صورة ليسوع المسيح، فأحياناً لا ينجحون سواءً لعدم معرفتهم بيسوع المسيح كما يجبُ وسواء بسبب قلة الخبرة في الضربات والموضع غير الملائم التي تخربُ العمل.

إما الذين يتقبلون ممارسة التكريم الحقيقي، فإني أشبّهُهم بحقٍ بالسبّاكين وأصحاب القوالب الذين اختاروا مريم كقالبٍ جميل، صيغَ فيه يسوع المسيح طبيعياً وإلهياً، دون الاعتماد على مهارتهم الخاصة، ولكن فقط على جودة القالب، فانهم يُلقون بذاتِهم فيه، ليُصبحوا صورةً طبيعيةً ليسوع.

يا للتشبيه الجميل الواقعي، ولكن من يفهمُه؟ لنتذكر بانه لا يُلقى في القالب إلا ما هو سائلٌ مُذاب، أي يجبُ أن تُخرّبَ وتُذيبَ نفسَك، صورةَ آدمَ القديم، لتصبحَ أنت الجديدُ في مريم.

7- يُعطي مجداً أعظمَ ليسوع المسيح

سنُعطي بالمحافظة على هذه الممارسةِ بأمانةٍ، مجداً أكثرَ بيسوع المسيح، خلال شهرٍ واحد، أكثر من أيةِ عبادةٍ أخرى، ولو كانت أصعبَ ومدةَ سنينَ كثيرة.

لأن بقيامِكَ بأعمالكَ بواسطة العذراء القديسة، كما تُعلّمُ هذه الممارسةُ، فإنك تترك نياتك الخاصة واشغالك، ولو صالحةً ومعروفةً، لتُذيب ذاتك نوعاً ما، في نيات واعمال مريم، ولو كانت غير معروفةٍ من قبلك، وتشتركَ هكذا بسموِ النياتِ الطاهرة، التي أعطت مجداً لله بأقلِ أعمالِها، كردن المغزلِ وغرزةِ الابرة، أكثرَ مما أعطاه لورنيسيسوس فوق المشواةِ، واستشهاده الغالي، وحتى أكثر من كل القديسين، بأعمالهم البطولية، الأمرُ الذي أكسبَها على الأرض فيضَ نعمٍ واستحقاقاتٍ لا توصف. لأنه أسهلُ عد النجوم في السماء وقطرات الماء في البحر، وذرات الرمل على الساحل، من عدِ استحقاقاتِها ونعمِها وإعطائِها مجداً لله أكثر من كلِ ما يعطيه الملائكةُ والقديسون.

يا لأعجوبةِ مريم. إنكِ لقادرةٌ على عملِ معجزاتِ النعمة في النفوس التي تفقدُ ذاتها فيك.

إنَّ النفسَ التي تُمارس هذا التكريمَ، لا تعتبرُ شيئاً، كلَّ ما تُفكرُ فيه، أو تعمَلُه من ذاتِها، ولا تستندُ أو تَرضى إلا في استعداداتِ مريم، للتقدم من يسوع، والتكلم معه، وهكذا فإنها تتواضعُ أكثرَ من النفوس التي تعمَل بذاتِها والمستندة على قواها والمنشرحةِ بلطفِ استعداداتها. بالنتيجة، تُمجدُ الله أكثر، لأن المتواضعين والصغيري القلب يُعطونه مجداً أكمل.

عندما تأخذُ أمُنا مريم بيديها الطاهرتين وبمحبة عظيمة هدية أعمالِنا، تُضفي عليها رونقاً وبهاءً زاهيين، لتقدمَها هي بنفسِها إلى يسوع، لا فقط بلا صعوبةٍ البتة ولكن  مع مجدٍ أعظمَ مما نقدمُها نحن بأيدينا الأثيمةِ.

إنكَ لا تفكر أبداً بمريم الا وهي تفكرُ بذلك في الله، ولا تمدحُها أو تكرمُها، الا وهي معك تَمدحُ وتُكرمُ الله. فمريم هي بجملتها منوطةٌ بالله، حتى أقدر أن أُسميَها علاقةَ الله. فليست هي إلا بالنظر إليه، أو هي بالأحرى صدَى الله، تُردده وتُكرره. فإذا أنتَ تقولُ مريم، هي بدورها تقولُ: الله. تمدحُها القديسة أليصابات وتدعوها مغبوطةً، لأنها آمنت. اما هي صدى الله الأمين، فتنشدُ: تُعظمُ نفسي (لوقا 1: 46). إنَّ ما عَمِلته مريم في هذه المناسبة، تعمله كلَّ يوم. فعندنا يمدحونها ويحبونها ويكرمونها، أو يقدمون شيئاً لها، فيكون الله هو الممدوحُ والمحبوبُ والمكرَّمُ بواسطةِ مريم وفيها.


كتاب الإكرام الحقيقي للعذراء مريم
 ✞  السابق     ✞  البداية     ✞  التالي 
مواضيع ذات صلة
أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.