27- مريم الناصريّة تتفاهم مع يوسف | قصيدة الإنسان – الإله

1٬633
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

27- مريم الناصريّة تتفاهم مع يوسف

31 / 05 / 1944

بعد ثلاثة وخمسين يوماً، تعود الأُمّ للظهور في هذه الرؤيا التي طَلَبَت منّي أن أدوّنها في هذا الكتاب. وعاد الفرح ليُولَد فيَّ مِن جديد، لأنّ رؤية مريم تعني امتلاك الفرح.

إذاً فأنا أرى حديقة الناصرة الصغيرة. مريم تَغزل في ظلّ شجرة تفّاح وَارِفة ومُحمَّلة زيادة بالثمار التي بدَأَت بالاحمرار حتّى لتَحسبها خدود أطفال مدوّرة وورديّة.

ولكنّ لون مريم لم يكن كتلك الألوان الجميلة. فلون خدّيها الذي كان في الخليل قد اختفى. ووجهها شاحب مثل العاج، والشّفتان فقط ترسمان عليه قوساً مِن المرجان الشاحب. وتحت جفنيها المنخفضين ظِلّان مُظلِمان، وحافّة عينيها منتفخة كما بعد بكاء. لستُ أرى عينيها لأنّ رأسها منحن وكلّ انتباهها مُنصَبّ على الشغل وأكثر منه على أفكار حزينة، ذلك أنّني أسمَعها تتنهّد كمَن يعاني ويتألّم في قلبه.

كان ثوبها ذا لون أبيض بأكمله، فقد كان مِن الكتّان الأبيض لأنّ الطقس حارّ جدّاً رغم أنّ رطوبة الزهور النقيّة توحي بأنّه الصباح. رأسها مكشوف، والشمس التي تُداعِب أوراق شجر التفّاح التي تحرّكها نسمات خفيفة جدّاً، والتي تتسلّل مُحدِثة خيوط نور على الأرض البنيّة المخصّصة للزهور، وتَرسم دوائر مضيئة على الرأس الأشقر وعلى الشعر الذي يبعَث انعكاسات ذهب خالص.

لم يَصدُر مِن البيت أيّ صوت، وكذلك مِن الجوار. لم يُسمَع سوى صوت خرير ساقية تنساب في فسقيّة في عمق الحديقة.

تَنتَفِض مريم لدى سماعها طرقاً قويّاً على باب البيت الخارجيّ. تضع مِغزَلها ومِردَنها جانباً وتنهض لتذهب وتفتح. ورغم كون ثوبها فضفاضاً، إلّا أنّه لم يُخْفِ استدارة الحوض تماماً.

تَجِد نفسها وجهاً لوجه أمام يوسف. تَشحب حتّى الشفتين. وفي هذه الأثناء يبدو وجهها كخبز الذبيحة بسبب هروب الدم منه. تَنظُر مريم بعين تَستَفسِر بحزن، بينما كانت نظرة يوسف مُستَغفِرة. يَلوذان بالصمت وهما يَنظران إلى بعضهما. ثمّ تفتح مريم فمها: «أفي هذه الساعة يا يوسف؟ هل أنتَ بحاجة إلى شيء ما؟ ماذا تريد قوله لي؟ تعال.»

يَدخُل يوسف ويُغلِق الباب. لم يتكلّم بعد.

«تكلّم يا يوسف، ماذا تريد؟»

«عفوكِ». وينحني كأنّه يريد أن يجثو. ولكن مريم التي ما تزال متحفّظة مِن لمسه، تُمسِك به بعزم مِن كتفيه وتمنعه مِن ذلك.

وأَخَذَ لون وجه مريم يتبدّل، فتارّة هو أحمر وأخرى شاحب كما كان قبلاً: «عفوي؟ ليس هناك شيء أغفره لكَ يا يوسف، ليس لديّ سوى الشكر على كلّ ما فعلتَه هنا أثناء غيابي، وكذلك على الحبّ الذي تكنّه لي.»

يَنظُر إليها يوسف وتترقرق دمعتان كبيرتان في حجرتي عينيه العميقتين، وتَبقَيان كما على حافة آنية، ثمّ تَنحَدِران على الخدّين واللحية.

«سامحيني يا مريم، فلقد تَزعزَعَت ثقتي بكِ، أمّا الآن فقد عرفتُ ولستُ أهلاً لأن يكون لي مثل هذا الكنز. لقد قَصَّرتُ في محبتي لكِ. لقد اتّهمتُكِ في قلبي. اتّهمتُكِ دون عدل لأنّني لم أسألكِ لتقولي لي الحقيقة. لقد أخطأتُ بحسب شريعة الله، وذلك بعدم حبي لكِ كحبّي لنفسي…»

«آه! لا! أنتَ لم تُقَصِّر أبداً!»

«بلى يا مريم. لو كنتُ اتُّهِمتُ بمثل هذا الجرم لكنتُ دافعتُ عن نفسي. وأنتِ… لم أسمح لكِ بالدفاع عن نفسكِ لأنّني كنتُ على وشك أن أتَّخِذ قراراً دون سؤالكِ. لقد أخطأتُ تجاهكِ بأن أسأتُ إليكِ بالريبة. لا شيء سوى الشكّ. وهذه إساءة يا مريم. فمن يشكّ بكِ يَنتَقِص مِن قَدْركِ. وأنا لم أعرفكِ كما كان ينبغي لي أن أفعل. ولكن لِما قد عانيتُ مِن الألم… ثلاثة أيام مِن الندم، سامحيني يا مريم.»

«ما مِن شيء لديّ أسامحكَ عليه. بل بالأحرى أنا التي أطلب منكَ أن تسامحني على ما سبّبتُه لكَ مِن الألم.»

«آه! نعم، يا له مِن ألم! يا لهذا الألم! انظري. لقد قيل لي هذا الصباح بأنّ شيئاً بدأ يَظهَر على صدغيّ، وتجاعيد على وجهي. لقد كبرتُ في أيّام أكثر مِن عشر سنوات. لماذا كنتِ يا مريم مُتواضِعة لدرجة أنّكِ أخفيتِ مجدكِ عنّي، أنا عروسكِ، ورضيتِ بأن أشكّ فيكِ؟»

لم يكن يوسف جاثياً ولكنّه منحن لدرجة أنّه يبدو كذلك، وتضع مريم يدها الصغيرة على رأسه وهي تبتسم. تبدو وكأنّها تُحلّه مِن خطاياه. تقول: «لو لم يكن تواضعي كاملاً لما استحققتُ أن أحبَل بـمَن ننتظر، مَن يأتي ليمحو خطيئة الكبرياء التي دَمَّرَت الإنسان. ثمّ أنا أطعتُ… فالله هو مَن طَلَبَ منّي هذه الطاعة التي كَلَّفَتني كثيراً… مِن أجلكَ، مِن أجل الألم الذي اختَبَرتَه. إنّما لم يكن لديّ خيار سوى الطاعة. أنا خادمة الله، والخدّام لا يُناقِشون الأوامر التي يتلقّونها. بل هم يُنفِّذونها، يا يوسف، ولو أبكَتهم دماً.» تبكي مريم وهي تقول ذلك. تبكي بهدوء لدرجة أنّ يوسف المنحني لم يلحظ ذلك إلاّ حينما سَقَطَت دمعة على الأرض.

عندها يرفع رأسه -ولأوّل مرّة أراه يفعل ذلك- ويشدّ على يدي مريم الصغيرتين بين يديه القويّتين ويُقبِّل أطراف أناملها الناعمة التي تبرز مثل براعم الدراق مِن بين قبضتي يدي يوسف.

«الآن يجب أن نتدبّر الأمر، لأنّ…» ولم يُضِف يوسف شيئاً، ولكنّه يَنظُر إلى جسم مريم التي تجلس حالاً لكي لا تبقى عُرضة للنظرات التي تتركّز عليها. «يجب أن نُسرِع. سآتي إلى هنا… سنُتمّ الزواج… الأسبوع القادم، أمُوافِقة أنتِ؟»

«كلّ ما تفعله يا يوسف جيّد. أنتَ رأس البيت وأنا خادمتكَ.»

«لا، بل أنا خادمكِ. أنا الخادم المغبوط لإلهي الذي ينمو في أحشائكِ. وأنتِ الـمُبارَكَة بين كلّ نساء إسرائيل. هذا المساء سأُخبِر الأهل. وفيما بعد… حينما أُصبِح هنا، سنعمل على تهيئة كلّ شيء لمجيئه… آه! كيف سأستطيع استقبال إلهي في بيتي؟ الله بين يديّ؟ سأموت مِن الفرح!… لن أجرؤ على لمسه أبداً!..»

«سوف تستطيع كما سأستطيع أنا ذلك، بنعمة الله.»

«أمّا أنتِ فإنّكِ أنتِ. أمّا أنا فَرَجُل مسكين، ليس في أبناء الله مَن هو مسكين أكثر منّي!»

«يسوع يأتي مِن أجلنا نحن المساكين ليجعلنا أغنياء بالله. سيأتي إلينا نحن الإثنين لأنّنا مساكين أكثر مِن كلّ الناس، ونحن نَعلَم ذلك. افرح يا يوسف، فذريّة داود حَصَلَت على الـمَلِك الذي تنتظره، وقد أصبَح بيتنا أكثر فخامة مِن قصر سليمان الـمَلَكيّ، فهنا ستكون السماء، وسنُشارِك الله سرّ السلام الذي سَيُعَلِّمه للعالم فيما بعد. سينمو بيننا وستكون أذرعنا مهداً للفادي الذي يكبر. ومِن عَرَقنا وتعبنا سنوفّر له الخبز… آه! يوسف! سوف نسمع صوت الله ينادينا “بابا”، “ماما”! آه!…» وتبكي مريم فَرَحاً بدموع سعيدة للغاية!

يجثو يوسف الآن على ركبتيه ويبكي خافياً رأسه في ثوب مريم الفضفاض الذي ينسَدِل مُشَكِّلاً ثنيات على بلاط الغرفة الصغيرة البسيط.

وهنا تنتهي الرؤيا.


تقول مريم:

«لا يُؤوّلنّ أحد شحوبي بطريقة خاطئة. لم يكن نتيجة خوف بشريّ، فبشريّاً كنتُ سأنتظر الرَّجم. وهذا لم يكن في يوم مَبعَث خوفي. بل كنتُ أعاني مِن ألم يوسف. حتّى فكرة إدانته لي لم تجعلني بحدّ ذاتها أَضطَرِب. إنّما ما لم يكن يَروق لي فقط هو أنّه بوقوفه عند فكرة إدانتي كان قد أَخَلَّ بالمحبّة. لذلك، عندما شاهدتُه قَفَزَ دمي. لقد كانت لحظة يُخطِئ بارّ فيها بحقّ العدل، وذلك بالإخلال بالمحبّة. وأن يُخِلّ بارّ بالمحبّة وهو الذي لم يُخِلّ أبداً في السابق، هو ما سَبَّبَ لي أشدّ العذاب.

لو لم أكن أتحلّى بالتواضع إلى أبعد حدوده، كما قلتُ ليوسف، لما كنتُ أستحقّ أن أحمل في أحشائي الذي تنازَلَ، وهو الإله، ليُصبح إنساناً ليزيل الكبرياء مِن الجنس البشريّ. لقد جعلتُكِ تَرَين هذا المشهد الذي لم يُورِده أيّ إنجيل لأنّني أردتُ لفت انتباه العالم البعيد جدّاً عن الشروط الأساسيّة لإرضاء الله وتقبّل حضوره الـمُتواصِل في قلبه.

الإيمان. لقد آمَن يوسف إيماناً أعمى بكلمة رسول السماء. لم يكن يطلب سوى الإيمان لأنّه كان مُقتَنِعاً بشكل جادّ أنّ الله صالح وأنّه، وهو الذي رجا الربّ، فلا يمكن أن يبتليه الربّ بألم أن يخونه قريبه ويخدعه ويهزأ به. لم يكن يطلب سوى الإيمان بي، لأنّه، كرجل شريف، لم يكن يستطيع مجرّد التفكير بدون ألم أن لا يفعل الآخرون ذلك.

كان يعيش بموجب الشريعة، والشريعة تقول: “أحبِب قريبكَ كنفسكَ”. فنحن نحبّ أنفسنا لدرجة الاعتقاد بأنّنا كاملون حتّى حينما لا نكون كذلك. لماذا نتوقّف إذن عن محبّة القريب لمجرّد فِكرة أنّه غير كامل؟

المحبّة الـمُطلَقَة. المحبّة التي تعرف أن تَصفَح، والتي تريد أن تَصفَح. تَصفَح مسبقاً بأن تُبرّر في قلبها أخطاء القريب. تَصفَح مباشرة بإيجاد كلّ الظروف المخفِّفة للمُخطئ.

التواضع الـمُطلَق مثل المحبّة. معرفة أنّنا مُقصِّرون، حتّى بمجرد فِكرة بسيطة، وعدم الاتّصاف بالكبرياء الأكثر ضرراً مِن الخطيئة السابقة بأن نرفض القول: “أنا أخطأتُ”. فكلّ العالم، ما عدا الله، يُخطئ. مَن الذي يستطيع القول: “أنا لا أُخطئ أبداً؟”

والتواضع أكثر صعوبة كذلك. فهو الذي يَعرف أن يَكتم روائع الله فينا، عندما يكون مِن غير المفيد أن نُعلِنها لتمجيده بها. لكي لا نُقلّل مِن قيمة القريب الذي لم يتلقَّ هذه المواهب الخاصّة مِن الله. لو أراد ذلك، آه لو أراد ذلك، فالله يَظهَر بنفسه في خادِمه! فإنّ أليصابات قد رأتني كما أنا، وعروسي عَرفَني والغاية التي وُجِدتُ مِن أجلها، وذلك عندما حان الوقت ليَعرف.

دعوا لله مهمّة الإعلان لكم عن خدّامه. إنّه بحاجة لأن يكون ذلك بحبّ. إذ إنّه يهيّئ كلّ خليقة لرسالة خاصّة، هي مجد جديد يضاف إلى مجده اللامتناهي، لأنّها الشهادة عن طبيعة الإنسان كما أراده الله: كمال ثانوي يعكس الأصل. ابقُوا في الظلّ وفي الصمت، يا مَن حظيتم بالنعمة، لتستطيعوا سماع الكلمات الوحيدة التي هي “الحياة”، لتستطيعوا استحقاق أن تَسطَع الشمس بشكل أزليّ فوقكم وفيكم.

آه! أيّها النور الأكثر مِن مغبوط، الله، يا مَن أنتَ فرح خدّامكَ، اسطَع على هؤلاء الخدّام الذين ينتمون إليكَ، الذين يبتَهِجون فيكَ بتواضعهم وهم يُسبّحونكَ، أنتَ وحدكَ الذي إذ تُشتِّت المتكبّرين إنّما تَرفَع المتواضعين الذين يحبّونكَ إلى بهاء مُلككَ.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة
أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.