24- ولادة المعمدان | قصيدة الإنسان – الإله

1٬258

كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

24- ولادة المعمدان

03 / 04 / 1944

وَسَط الأشياء الـمُنفِّرة التي يقدّمها لنا العالم في هذا الوقت تهبط رؤيا السلام هذه مِن السماء، ولا أدري كيف يمكن أن يتأتّى ذلك لأنّني مثل قشّة تبن في مهبّ الريح في قلب هذه المواجهات المستمرّة مع الشرور البشريّة المناقضة لكلّ ما هو حيّ فيَّ.

ما يزال المكان بيت أليصابات، في ليلة صيف جميلة لا تزال مُضاءَة بالشمس المائلة للغروب، حيث قوس القمر يبدو كفاصِلة فضيّة موضوعة على قطعة جوخ كبيرة مِن اللازورد الداكن.

شجيرات الورد تَنشر عطرها القويّ، والنحل يُنهي الجولات الأخيرة لطيرانه، وكقطرات ذهب يطنّ في أجواء المساء الحارّ والساكن. مِن الحقول تهبّ رائحة قويّة مِن العشب اليابس تحت الشمس، ورائحة خبز يمكن القول بأنّه طازج، خارج لتوه مِن الفرن، وقد تكون متأتيّة كذلك مِن الغسيل الكثير المنشور هنا وهناك ليجفّ، والذي ما زالت سارة تطويه.

تتمشّى مريم بهدوء مع نسيبتها التي أَمسَكَت بذراعها، تروحان وتجيئان على مهل تحت العريشة نصف المضيئة.

عين مريم تُراقِب كلّ شيء، وبينما تهتمّ بأليصابات ترى سارة وهي تعمل على طيّ قطعة نسيج طويلة رَفَعَتها مِن فوق سياج، فتقول لنسيبتها: «انتظريني، اجلسي هنا.» وتمضي لمساعدة الخادمة العجوز في شدّ القماش لتسوية الثنيات، وأثناء طيّها تقول بابتسامة: «ما تزال آثار الشمس فيها، فهي دافئة.» ولكي تُرضِي المرأة تقول: «هذا النسيج، بعد غسلكِ إيّاه، أصبَحَ أجمل مما كان عليه سابقاً. ليس هناك مَن يُتقِن كلّ شيء هكذا مثلكِ.»

تَذهَب سارة مزهوّة وهي تحمل النسيج المعطّر.

تعود مريم إلى أليصابات وتقول لها: «بضع خطوات أخرى، فهي مفيدة لكِ.»

ولكن، بما أنّ أليصابات لم تكن ترغب بالتحرّك تقول لها: «لنذهب فقط لتفقّد طيور الحمام إذا كانت كلّها في أعشاشها، وإذا كان الماء في مَشارِبها نظيفاً، ثمّ نعود إلى البيت.

يُفتَرَض أن تكون طيور الحمام هي المفضّلة لدى أليصابات. وعندما تكون أمام البُرج الريفيّ الصغير، فإنّها تكون كلّها مجتمعة: الإناث على الأعشاش والذكور أمامها دون حراك، وعندما ترى المرأتين تَهدل لتحيّيهما. أليصابات تتأثّر كثيراً لهذا. أمّا الوَهَن الذي يُعزَى لحالتها فإنّه يسيطر عليها ويوحي لها بـمَخاوف تجعلها تبكي.

إنّها تتّكئ على نسيبتها: «إن مُتُّ… يا لحماماتي المسكينة! فأنتِ لن تبقي، لو كنتِ ستبقين، فلا يعود يهمّني أن أموت. لقد امتلكتُ أعظم فرحة يمكن لامرأة أن تمتلكها، فرحة كنتُ قد أذعَنتُ بألّا أعرفها. وحتّى الموت فلا يمكنني أن أتشكّى منه إلى الربّ. إنّه، تَمَجَّد اسمه، قد غَمَرَني بفيض صلاحه. إنّما هناك زكريّا… وكذلك سيكون الطفل. الأوّل عجوز وسَيَجد نفسه مثل التائه في الصحراء دون امرأته، والآخر طفل مسكين سـيكون مثل زهـرة حُكِمَ عليها بالموت برداً، لأنّه سـيفقد أُمّـه. يا له مِن طفـل مسـكين دون عطف أُمّـه وحنانها!…»

«ولكن لماذا هذا الحزن؟ لقد منحكِ الله فرح الأمومة، ولن يحرمكِ منها وهي في أَوجها. ستكون ليوحنّا الصغير كلّ قبلات أُمّه ولزكريّا كلّ عنايات زوجته الأمينة الوفيّة حتّى الشيخوخة المتقدّمة جدّاً. إنّكما غصنان مِن شجرة واحدة، ولن يموت غصن تاركاً الآخر في وحدته.»

«أنتِ طيّبة وتواسينني، ولكنّي قد كبرتُ كثيراً لكي يكون لي ابن. والآن وقد حان موعد قدومه إلى العالم، فأنا خائفة.»

«آه! لا، فيسوع هنا! وحيث يكون يسوع يجب أن يختفي الخوف. لقد خَفَّفَ ابني آلامكِ، كما قلتِ، عندما كان مثل الزرّ لم يكد يتشكّل. والآن وقد نما أكثر فأكثر وهو في أحشائي كائن حيّ كامل -أُحِسُّ بقلبه ينبض قرب صدري، ولديَّ انطباع أنّي أمتلك عصفوراً صغيراً في عشّ ينبض قلبه الصغير بخفّة- وهو سيجنّبكِ الآن كلّ خطر. يجب أن تؤمني بذلك.»

«نعم أؤمن، ولكن إذا مُتُّ فلا تتركي زكريّا حالاً. أعرف أنّكِ تفكّرين ببيتكِ، إنّما ابقي قليلاً أيضاً لمساعدة زوجي في أيّام حزنه الأولى.»

«سوف أبقى، إنّما لأفرَح لفرحكِ وفرحه، ولن أذهب إلّا حينما تصبحين قويّة وسعيدة. ولكن ابقي هادئة مطمئنّة، يا أليصابات، كلّ شيء سيكون على ما يرام. في ساعة ألمكِ لن ينقص البيت شيء. زكريّا سوف تخدمه الخادمة الأكثر عطفاً، وزهوركِ سيُعتَنى بها وكذلك طيور الحَمام. وسوف تعودين لتجدي هذه وتلك مبتَهِجَة وجميلة لتحتفل بعودة معلّمتها السعيدة. لندخل الآن، أراكِ شاحبة…»

«نعم، يبدو أنّ ألمي يتضاعف. قد يكون الوقت حان. مريم، صلّي لأجلي.»

«سأساعدكِ بصلاتي إلى أن تتفتّح آلامكِ فَرَحاً.»

تَدخُل السيّدتان بتمهّل إلى البيت.

تتوجّه أليصابات إلى حجرتها، ومريم، بِحَذَق ونفاذ بصيرة، تُعطي الأوامر وتُهيّئ لكلّ ما يمكن توقُّعه وتواسي زكريّا القَلِق.

في البيت حيث يسهر الجميع في هذه الليلة، وحيث تُسمَع أصوات غريبة لنساء دُعين للمساعدة، تبقى مريم متيقّظة كالمنارة في ليلة عاصِفة. البيت كلّه يدور حولها، وهي تسهر على كلّ شيء بلطف وابتسامة. إنّها تصلّي، عندما لا يطلبها أحد لأمر أو لآخر تختلي للصلاة. إنّها في الحجرة التي يجتمعون فيها دائماً للأكل والعمل.

زكريّا معها، وهو يتنهّد ويَدور قَلِقاً. يصلّيان معاً، ثمّ تستمرّ مريم بالصلاة حتّى في الوقت الذي يتعب فيه العجوز، فيأخذ كرسيّاً ويجلس قرب الطاولة صامتاً وحالماً، وهي تصلّي. وعندما تراه مستغرقاً في النوم واضعاً رأسه على ذراعيه المتصالبتين والمستندتين إلى الطاولة، تنزع حذاءها لكي تُقلّل قدر الإمكان مِن الجَلَبَة وتمشي حافية. فكان الصوت الذي تُحدِثه أقلّ مِن صوت فراشة تطير في غرفة.

تأخذ معطف زكريّا وتغطّيه به بكلّ لطف، حتّى إنّه استمرّ في النوم في حرارة الصوف التي تحميه مِن برودة الليل التي تَدخُل على شكل هبّات مِن الباب المفتوح في أغلب الأحيان. ثمّ تعود لتصلّي. وعندما تعلو صيحات الوِلادة تَركَع وتَفتَح ذراعيها وتصلّي بحرارة أكبر.

تَدخُل سـارة وتشير إليها بأن تَخـرُج. وتَخرُج مريم حافية إلى الحديقة. فتقول لها: «معلّمتي تطلبكِ.»

«ها أنذا آتية» وتمشي مريم طول البيت وتَصعَد السلّم… وكأنّها ملاك أبيض يدور في الليل الهادئ والمرصّع بالنجوم. وتَدخُل عند أليصابات.

«آه! مريم! مريم! يا له مِن ألم! لم أعد أتحمّل. مريم! يا لهذا الألم الذي يجب أن نقاسيه لنصبح أُمّهات!»

تُلاطِفها مريم بحنان وتُقبّلها.

«مريم! مريم! دعيني أضع يدي على بطنكِ!»

تأخذ مريم اليدين المجعّدتين والمنتفختين وتضعهما على بطنها المستدير وتُمسِك بهما بشدّة بين يديها المصقولتين والخفيفتين. والآن وقد بقيتا وحدهما تتكلّم بهدوء: «يسوع هنا، وهو يَرَى ويُدرِك. ثقي أليصابات. إنّ قلبه القدّوس يَخفق بقوّة أكبر لأنّه يعمل في هذه اللحظة لخيركِ. أسمَعهُ يَخفق كما لو كنتُ أُمسِكه بين يديّ. إنّي أُدرِك الكلمات التي يقولها لي الطفل مِن خلال هذا الخَفَقان. يقول لي في هذه اللحظة: “قولي للمرأة بألّا تخاف. قَدْر قليل مِن الألم بعد. ثمّ عند شروق الشمس، وسط زهرات كثيرات تنتظر هذا الشعاع الصباحيّ لتتفتّح على أعوادها ستكون في بيتها الزهرة الأجمل، سيكون يوحنّا، سابِقي”.»

وتضع أليصابات وجهها على بطن مريم وتبكي بهدوء.

تبقى مريم على هذا الوضع بعض الوقت لأنّه كان يبدو لها أنّ الألم يخفّ، يتلاشى ويَسكن. تشير للجميع بأن يمكثوا هادئين، وتبقى واقفة، بيضاء وجميلة للغاية في شعاع مصباح الزيت الضعيف، مِثل ملاك يسهر على الألم. إنّها تصلّي. أراها تُحرّك شفتيها. حتّى لو لم أكن أراهما تتحرّكان كنتُ سأُدرِك أنّها تصلّي مِن خلال التعبير عن النشوة والانخطاف البادي على وجهها.

يمرّ الوقت، ويُعاوِد الألم أليصابات. تُقبّلها مريم ثانية. وتَنزِل بسرعة في شعاع القمر وتركض لترى إذا كان العجوز ما يزال نائماً. فلقد كان نائماً ويئنّ وهو يحلم. تقوم مريم بحركة تنمّ عن شفقة وتعود إلى الصلاة.

يمرّ بعض الوقت، يستيقظ العجوز ويُلقي نظرة دهشة كما لو أنّه لم يتذكّر جيّداً لماذا هو هنا. ثمّ يتذكّر ويقوم بحركة تعجّب بصوت حلقوميّ. ثمّ يَكتُب: «ألم يُولَد بعد؟» تشير مريم بأن لا. فيكتب زكريّا: «يا لآلامها، مسكينة زوجتي! هل تقوم دون أن تموت؟»

تأخذ مريم بيد العجوز وتُطمئِنه: «عند الفجر، بعد قليل، سيولَد الطفل. كلّ شيء سيكون على ما يرام. أليصابات قويّة. كم سيكون جميلاً هذا اليوم -فالنهار سيبزغ بعد قليل- الذي فيه سيرى ابنكَ النور! أجمل يوم في حياتكَ! إنّها نِعَم عظيمة يحفظها الله لكَ، وابنكَ هو البشير بذلك.»

يهزّ زكريّا رأسه بحزن ويشير إلى فمه الأبكم. كان يريد قول أشياء كثيرة ولكنّه لم يستطع.

تُدرِك مريم وتجيب: «سيعطيكَ الله الفرح كاملاً. وهو تعالى يستجيب لأبعد مِن رجائكَ. إنّه يريد هذا الإيمان الكامل ليغسل الارتياب القديم. قُل معي في قلبكَ: “أنا أؤمن”، قُلها مع كلّ خَفْقة مِن قلبكَ. فكنوز الله تنفتح لمن يؤمن به وبصلاحه الـمُقتَدِر.»

بدأ النور يتسرّب عبر الباب الموارَب الذي فَتَحَته مريم. الفجر ينشر نوره الأبيض على الأرض الرطبة. فقد كانت رائحة الأرض ورطوبة الخُضرة قويّة. وبدأت أولى زقزقات العصافير التي تتنادى مِن غصن إلى آخر تُسمَع.

ويتوجّه الرجل العجوز ومريم إلى عتبة الباب. إنّهما شاحبان بعد ليلة دون نوم، ونور الفجر يُظهِرهُما أكثر شحوباً. تلبس مريم حذاءها وتذهب إلى أسفل الدرج وتُنصِت. حينئذ تَظهَر امرأة تشير وتعود. لا شيء بعد.

تذهب مريم إلى حجرة لتعود منها حاملة حليباً ساخناً تُقدّمه للعجوز. ثمّ تذهب لتفقّد طيور الحمام وتعود لتغيب في هذه الحجرة. ربما هي المطبخ. تَجول وتتفقّد. تبدو وكأنّها قد نامت نوماً كافياً ورائعاً، لذا فهي حيويّة جدّاً وهادئة.

يَزرَع زكريّا المكان جيئة وذهاباً، بعصبيّة، يذهب ويعود عبر الحديقة. تَنظُر إليه مريم بإشفاق. ثمّ تعود لتَدخُل مِن جديد إلى نفس الحجرة. تركع أمام نولها وتصلّي مِن صميم قلبها، ذلك أنّ أنّات التي في الفراش قد أصبَحَت أكثر حدّة. وتنحني إلى الأرض لتصلّي إلى الأزليّ. يَدخُل زكريّا فيراها ساجدة هكذا فيبكي، مسكين هو هذا العجوز. تَنهَض مريم مِن جديد وتأخذه بيده. تبدو وكأنّها أُمّ لهذه الشيخوخة الـمُنعَزِلة، تَسكب عليها السلوان.

يَظلّان هكذا، الواحد قرب الآخر تحت الشمس التي تُضفي على جو الصباح لون الورد، إلى أن يَرِدهُما النبأ السعيد: «لقد وُلِد! لقد وُلِد! إنّه صبيّ! يا لكَ مِن أب سعيد! إنّه صبيّ نديّ مثل الوردة، جميل مثل الشمس، قويّ، شديد، وعذب مثل أُمّه. لكَ الفرح أيّها الأب المبارك مِن الربّ لأنّه قد وُلِدَ لك ابن تُقدِّمه إلى هيكله. المجد لله الذي مَنَحَ الذريّة لهذا البيت! البركة لكَ ولابنكَ المولود مِن صُلبكَ! ولتتمكّن ذرّيته مِن ديمومة اسمكَ إلى أجيال وأجيال عبر الأنسال، ولتُحافِظ على الاتّحاد بالربّ الأزليّ.»

تُبارِك مريم الربّ بدموع الفرح. ثمّ يتقبّل الإثنان الطفل المحمول إلى أبيه ليباركه. ولم يذهب زكريّا للقاء أليصابات. يتقبّل الطفل الذي يصرخ كالتائه، ولكنّه لا يذهب للقاء زوجته.

مريم هي التي تذهب حاملة بحنان الطفل الذي ما أن تحمله حتّى يصمت فجأة. والعَرَّابة التي تتبعها تُلاحِظ ذلك فتقول لأليصابات: «يا امرأة، إنّ ابنكِ قد صَمَتَ فجأة عندما حَمَلَته. انظري كيف ينام هادئاً مطمئنّاً. والله أعلم أنّه قويّ وكثير الحركة. والآن انظري إليه كأنّه زغلول حمام صغير.»

تضع مـريم المولود بجانب أُمّه وتُلاطِفها بمسح شعرها الرماديّ وإعادة ترتيبه. وتقول لها بهدوء: «الوردة قد وُلِدَت. وأنتِ ما زلتِ على قيد الحياة. وزكريّا سعيد.»

«هل يتكلّم؟»

«ليس بعد، إنّما فليكن رجاؤكِ بالربّ. استريحي الآن. سأبقى معكِ.»


تقول مريم:

«إذا كان وجودي قد قَدَّسَ المعمدان، فهو لم يعف أليصابات مِن الحُكم على حوّاء “بالألم تلدين البنين” الصادِر مِن الأزليّ بحقّها. أنا وحدي بلا عيب وبغير اتّحاد بشريّ، لذا كنتُ مستثناة مِن آلام الوَضع. الحزن والألم هما ثمرة الخطيئة. ومع ذلك فأنا التي كنتُ “بدون خطيئة” كان ينبغي لي أن أعرف الألم والحزن لأنّني كنتُ الـمُشارِكة في الفداء. ومع ذلك لم أعرف حدّة معاناة الولادة. لا، لم أعرف هذا الألم.

ولكن ثقي يا ابنتي، فإنّه لم ولن يوجد أبداً ألم مبرّح يشبه ألم ولادتي كشهيدة لأمومة روحيّة تَمَّت على أقسى سرير: سرير صليبيّ على قَدَم صليب ابني الذي يموت. ومَن هي الأُمّ الـمُرغَمة على الوِلادة بهذه الطريقة، وعلى مزج ألم أحشائها التي تتمزّق لسماع حشرجة ابنها المحتضر بالتمزّق الداخليّ لاضطرارها تَجاوُز هَول وجوب قولها: “أُحبّكم، تعالوا إليّ، أنا أُمّكم”، لقَتَلة ابنها الذي وُلِدَ مِن الحبّ الأسمى الذي لم تَرَ السماء مثله، مِن اتّحاد حبّ إله وعذراء، بقبلة نار، بعناق النور، الذين أصبحوا جميعهم جسداً وجَعَلوا مِن أحشاء امرأة تابوت عهد الله.

لقد قالت أليصابات: “كَم مِن الآلام كي أُصبِح أُمّاً!” إنّها آلام فظيعة، ولكنّها لا شيء بالمقارنة مع آلامي.

“دعيني أضع يدي على بطنكِ” آه! لو كنتم في آلامكم تطلبون ذلك منّي على الدوام!

أنا حاملة يسوع الأزليّة. لقد أقام في أحشائي كما رأيتِهِ العام الماضي مثل نزيل في بيت القربان. مَن يأتِ إليَّ يَجِده. مَن يتّكئ عليَّ يلمسه. مَن يتوجّه إليَّ يُكَلِّمه. أنا ثوبه وهو روحي. إنّه متّحد بي الآن أكثر، أكثر حتّى مِن الأشهر التسعة التي نما خلالها في أحشائي، ابني متّحد بي أنا أُمّه. وكلّ ألم يَسكُن، وكلّ أمل يتفتّح، وكلّ نعمة تتدفّق لمن يأتي إليَّ ويضع رأسه على صدري.

إنّي أصلّي مِن أجلكم. فغبطة كوني في السماء أعيش في نور الله لم تُنسِني أولادي الذين يتألّمون على الأرض. وأصلّي. السماء بأكملها تصلّي لأنّ السماء تحبّ. السماء هي المحبّة الحيّة. والمحبّة ترأف بكم. إنّما حتّى ولو لم يوجد غيري فستكون مع ذلك صلاة كافية لاحتياجات مَن يرجو الله، لأنّني لا أتوقّف عن الصلاة لأجلكم جميعاً: قدّيسين وفاسِدين. للقدّيسين لأمنحهم الفرح، وللفاسِدين لأمنحهم التوبة التي تُخَلِّص.

تعالوا! تعالوا يا أبناء آلامي. أنتظركم عند أسفل الصليب لأُنعِم عليكم.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة
أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.